مقدمة: لماذا التدريب على مكافحة الفساد في شانغهاي ليس رفاهية؟
صباح الخير، أنا الأستاذ ليو. خلال الـ12 سنة اللي قضيتها في شركة "جياشي" للضرائب والمحاسبة، وخدمة الشركات الأجنبية في شانغهاي، شفت حاجات كتير. كثير من المديرين الأجانب بيجوا وهم فاكرين أن الموضوع سهل: "مكافحة الفساد؟ دي سياسة الشركة الأم، بنطبقها هنا وهناك." لكن الواقع، يا سادة، مختلف خالص. شانغهاي، مع أنها أكثر المدن عالمية في الصين، ليها سياقها القانوني والثقافي والعملي الخاص. اللي ينفع في فرانكفورت أو شيكاغو، ممكن يوقعك في مشكلة هنا من غير ما تدري. التدريب مش مجرد محاضرة عن "ممنوع الرشوة"، ده عملية بناء جدار حماية للشركة نفسها، وللموظفين اللي بيشتغلوا فيها. في مرة، عميل أوروبي كبير، كان عايز يفتح مكتب تمثيل، وكان كل تركيزه على الإجراءات الرسمية. قلنا له: "الموضوع أهم من كده. فريقك المحلي الصغير ده لازم يفهم قواعد اللعبة من اليوم الأول." هو استغرب في الأول، لكن بعد سنة، واحد من موظفيه المحليين الشباب تعرض لضغط من مورد محلي على شكل "هدية" كبيرة، والولد عرف يتصرف بشكل صحيح لأنه كان متدرب كويس. ده أنقذ الشركة من تحقيق محتمل وسمعة سيئة. فخلينا نفتح الملف ده مع بعض، ونشوف إيه محتويات التدريب اللي بتفرق فعلاً.
القانون الصيني: مش مجرد نصوص
أول حاجة وأهم حاجة: الفهم العميق للتشريعات الصينية المحلية، وخصوصاً "قانون مكافحة الفساد غير المشروع" وتعديلاته، و"قانون العقوبات على الأفعال غير القانونية في النشاط الاقتصادي". كثير من المدربين بيقرأوا النصوص وخلاص. لكن الخبرة العملية بتقول إن المشكلة في "التفسير" و"التطبيق". مثلاً، مفهوم "الموظف العام" في الصين أوسع مما يتخيله الأجنبي. ممكن مدير في شركة تملكها الدولة جزئياً يبقى تحت بند "الموظف العام". كمان، حدود الهدايا والتسلية: القانون بيحدد مبلغ، لكن حتى لو الهدية أقل من المبلغ، لكن قيمتها "رمزية بشكل غير معتاد" أو مرتبطة بمناسبة غير مناسبة، ممكن تثير الشبهات. في تدريبنا، بنحضر حالات حقيقية من محاكم شانغهاي. بنقول للمتدربين: "شوفوا القاضي ليه حكم كده. مش عايزين نقرأ القانون، عايزين نفهم عقلية المشرع والقاضي." ده بيخلي التدريب مش نظري، وإنما تطبيقي قوي.
كمان جزء مهم جداً: القوانين المحلية لشانغهاي نفسها. مدينة زي شانغهاي عندها صلاحيات تشريعية معينة. ممكن يكون في توجيهات أو تفسيرات إدارية من لجنة الانضباط في شانغهاي تختلف شوية عن مدينة تانية. الشركات الأجنبية اللي ليها مقر آسيوي في سنغافورة أو هونغ كونغ، بتكون أحياناً بتطبق سياسات معممة على كل آسيا. ده غلط. الصين ليها خصوصية، وشانغهاي داخل الصين ليها خصوصية برضه. التدريب الفعال لازم يسلط الضوء على ده، ويبني وعي بأن الامتثال في شانغهاي مش زي أي مكان.
ثقافة العمل: ده مش رشوة، ده "شينغينغ"
ده أصعب جزء وأكتر جزء بيسبب سوء تفاهم. التعامل مع الفروق الثقافية في مفهوم العلاقات والخدمة والهدايا. في الثقافة الصينية، بناء العلاقة ("قوانشي") والتبادل الاجتماعي ("رينتشينغ") جزء أساسي من الحياة والعمل. الموظف المحلي اللي بيشتغل معك، بيكون تحت ضغط مزدوج: ضغط من المدير الأجنبي اللي عايزه يلتزم بقواعد صارمة، وضغط من البيئة المحلية اللي بتعتبر بعض الممارسات "عادية" أو حتى "ضرورية" للحفاظ على العلاقة. هنا التدريب مش بس تعليمي، إنما "تأهيل ثقافي". بنشرح مفهوم "شينغينغ" (المشاعر الإنسانية) وإزاي ممكن يتعامل معاه بطريقة أخلاقية وقانونية. مش كل هدية رشوة، ومش كل رفض وقاحة. في حالة عميل أمريكي في مجال الصناعة، واحد من مدراء المبيعات المحليين عنده رفض دعوة عشاء من شريك محتمل مهم، ورفضها بطريقة جافة جداً بحجة سياسة الشركة. النتيجة؟ الشريك اتأذت مشاعره وفضل العمل مع منافس. لو كان المدرب كويس، كان علمه إزاي يرفض بطريقة لبقة، ويقترح بديل قانوني، زي دعوة للاجتماع في مقر الشركة مع تقديم قهوة وشاي، مع الحفاظ على الاحترام.
بنركز في التدريب على "الخط الأحمر الثقافي". إزاي تميز بين المجاملة المقبولة ثقافياً والممارسة المشبوهة؟ إزاي تتعامل مع مواقف زي الدفع في المطعم، أو الهدايا في الأعياد التقليدية مثل رأس السنة القمرية؟ ده بيحتاج لسيناريوهات وتدريبات عملية، مش كلام نظري.
إجراءات داخلية: خليها عملية مش حبر على ورق
كثير من الشركات الأجنبية عندها سياسات مكافحة فساد مترجمة ومعلقة على الحيطان. لكن السؤال: هي مطبقة فعلاً على الأرض في فرع شانغهاي؟ التدريب الفعال لازم يكون مرتبط بشكل وثيق بتصميم وتنفيذ الإجراءات الداخلية للشركة. بنسأل المتدربين: "لو حصل موقف مشبوه، بتبلغ لمين؟ النموذج إيه؟ بالعربي ولا بالإنجليزي؟ الدورة المستندية لإقرار المصاريف الترفيهية بتاعتك بتت audit بإيه؟" في تجربتي، الشركات اللي بتنجح في ده، بتكون دمجت إجراءات مكافحة الفساد في العمليات اليومية: نظام الموافقة على المشتريات، سياسة السفر والترفيه، إجراءات التعامل مع الوكلاء والوسطاء ("الطرف الثالث" أو Third Party).
المصيبة الكبيرة بتكون في إدارة "الطرف الثالث". كثير من الشركات بتحسب إنها مسؤولة فقط عن أفعال موظفيها المباشرين. لكن القانون الصيني، وخصوصاً في قضايا الفساد الكبيرة، بيحملك مسؤولية عن أفعال الوكلاء أو الموردين اللي بتتعامل معاهم لو ثبت إنك كنت متغاضي أو مش متابع. فجزء أساسي من التدريب بيكون على "العناية الواجبة" (Due Diligence) في اختيار ومراقبة الشركاء المحليين، وتعليمهم سياسة مكافحة الفساد الخاصة بشركتك. ده مش اختيار، ده ضرورة.
الإبلاغ والحماية: مشان تضمن الصوت يطلع
أي نظام مكافحة فساد من غير قناة إبلاغ آمنة وفعالة، بيكون زي سيارة من غير فرامل. بناء ثقافة الإبلاغ الآمن وحماية المبلغين في البيئة الصينية تحدي كبير. الخوف من الانتقام أو "فقدان الوجه" أو الإضرار بالعلاقات داخل الفريق قوي جداً. التدريب هنا بيكون على مستويين: الأول للموظف العادي، إزاي يبلغ بأمان عن طريق القنوات الرسمية (الداخلية أو حتى الخارجية المصرح بيها) من غير خوف. المستوى التاني للمديرين: إزاي يستقبلون بلاغ عن موقف مشبوه من مرؤوسيهم من غير ما يتحسسوا أو يتهجموا على المبلغ، وإزاي يحققوا بموضوعية. بنحكي قصة من واقع شغلي: موظفة شابة في شركة ألمانية للكيماويات، شافت مديرها بياخد عمولة من مورد. كانت خايفة جداً، لكن لأن التدريب كان وضح لها إن في قناة إبلاغ خارجية مستقلة ووعد بالحماية، بلغت. الشركة عملت تحقيق سريع ونقلت المدير وعاقبته، وحافظت على الموظفة في منصبها وزودت مسؤولياتها. النتيجة؟ الثقة في النظام الداخلي زادت بشكل ملحوظ. التدريب على آليات الإبلاغ ده مش تقني بس، إنما بناء ثقة.
التدقيق والمراجعة: العين الساهرة
آخر حاجة: التدريب على كيفية الاستعداد للتدقيق الداخلي والخارجي. سواء كان تدقيق من المكتب الرئيسي، أو من السلطات الصينية (مثل إدارة الضرائب أو إدارة الصناعة والتجارة، اللي ممكن تتحول قضايا فساد لقضايا ضريبية أو إدارية). الموظف المحلي بيكون غالباً خايف من كلمة "تدقيق" أو "audit". التدريب السليم بيحول الخوف ده لفهم واستعداد. بنعلمهم إيه اللي بيكون بيدور عليه المدقق، إيه المستندات المطلوبة، وإزاي يقدموا تفسيرات واضحة. كمان بنعلم المديرين إزاي يتابعوا "الإشارات الحمراء" (Red Flags) في تقارير المصاريف أو عقود الشراء: زي الفواتير المتكررة من نفس المورد تحت المبلغ الذي يحتاج موافقة أعلى، أو مصاريف ترفيهية غير عادية في توقيت مفاجئ. ده جزء وقائي، بيخلي النظام نفسه هو اللي بيقبض على الأخطاء الصغيرة قبل ما تكبر.
في النهاية، التدريب على مكافحة الفساد للشركات الأجنبية في شانغهاي مش دورة تدريبية لمدة يومين وتنتهي. ده عملية مستمرة من بناء الوعي، والتكيف مع البيئة المحلية المعقدة، وخلق ثقافة شركة تقدر النزاهة والشفافية. الشركات اللي بتستثمر في التدريب المتخصص والعميق ده، بتكون في الحقيقة بتستثمر في أمان وجودها واستمراريتها في واحد من أهم أسواق العالم. بتقلل المخاطر القانونية والمالية، وبتكسب سمعة طيبة، والأهم، بتكون بتحمي موظفيها من الوقوع في أخطاء قد تدمر حياتهم المهنية. الموضوع جدي، ومحتواه أعمق وأشمل مما يتخيل الكثيرون.
خاتمة: الاستثمار في النزاهة استثمار في المستقبل
خلينا نلخص: التدريب الفعال على مكافحة الفساد في شانغهاي مش ترف أكاديمي، إنما ضرورة استراتيجية. محتواه لازم يغطي القانون الصيني العميق، وليس السطحي، ويفهم الفروق الثقافية الدقيقة، ويبني إجراءات داخلية عملية، ويؤسس لقنوات إبلاغ آمنة، ويجهز الفريق للتدقيق والمراجعة. الرؤية الشخصية ليا، بناءً على سنوات الشغل، إن الشركات اللي بتتعامل مع الموضوع على أنه "مربع اختيار" (checkbox) لازم تكمله، دي اللي بتكون عرضة للمشاكل. اللي بتتعامل معه على أنه جزء من بناء ثقافة الشركة المحلية في الصين، دي اللي بتنجح على المدى الطويل. المستقبل هيشهد تركيز أكبر من السلطات الصينية على حوكمة الشركات، ومتطلبات أكثر. اتجاه البحث أو التطوير المستقبلي، في رأيي، هو استخدام التكنولوجيا (مثل الـAI) لمراقبة الأنماط غير العادية في العمليات، مع دمجها في برامج التدريب لخلق سيناريوهات أكثر واقعية. لكن التكنولوجيا مش بديل عن الوعي البشري والثقافة السليمة. ده الاتجاه.
رؤية شركة جياشي للضرائب والمحاسبة: في "جياشي"، بنشوف أن محتوى التدريب على مكافحة الفساد للشركات الأجنبية في شانغهاي هو بالضبط "جسر العبور" بين النوايا الحسنة والتطبيق الآمن. مشكلتنا الأساسية اللي بنواجهها مع العملاء هي الفجوة بين السياسة العالمية والواقع المحلي. لذلك، رؤيتنا مبنية على "التمكين العملي". التدريب عندنا مش بس نقل معلومات، إنما "تجهيز أدوات عمل". بنركز على صناعة "حالات دراسية" مستمدة من الأرشيف الغني لشانغهاي، وبنعلم الموظفين إزاي يوازنوا بين متطلبات الامتثال الصارمة وضرورات بناء العلاقات التجارية. بنؤمن أن أفضل سياسة لمكافحة الفساد هي السياسة اللي الموظف العادي يفهمها ويقدر يطبقها يومياً من غير ما يشعر أنها عقبة. كمان، بنربط التدريب دائماً بالمخاطر الضريبية والتجارية المترابطة، لأن قضية فساد في الصين نادراً ما تبقى معزولة، دايماً بتكون شبكة. استثمار الشركة في تدريب متخصص وشامل هو في الحقيقة تخفيض ملموس لتكلفة المخاطر المستقبلية، وضمان لسلاسة العمليات في واحدة من أكثر البيئات ديناميكية وتعقيداً في العالم. ده ليس خدمة نقدمها، بل هو شريك نبنيه مع عملائنا لضمان استقرار ونمو أعمالهم في الصين.