# وضع سياسات مكافحة الرشوة التجارية للشركات الأجنبية في الصين

مرحباً بكم، أنا الأستاذ ليو، أعمل في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة منذ أكثر من اثني عشر عاماً، تخصصت خلالها في خدمة الشركات الأجنبية العاملة في السوق الصينية. خلال هذه السنوات، شهدت عن قرب كيف تطورت البيئة التنظيمية في الصين، خاصة في مجال مكافحة الفساد والرشوة التجارية. كثيراً ما يسألني العملاء: "كيف ننشيء سياسة فعالة لمكافحة الرشوة هنا؟ الأمر معقد!" والحقيقة، نعم، الأمر يحتاج لفهم دقيق ليس فقط للقوانين المكتوبة، بل ولطريقة تطبيقها على أرض الواقع، ولـ "الثقافة التنظيمية" السائدة. في هذا المقال، سأشارككم رؤيتي المستمدة من سنوات من الممارسة العملية، ليس كخبير قانوني بحت، بل كشريك إداري عايش التحديات وحاول إيجاد الحلول العملية.

الإطار القانوني المتطور

عندما نتحدث عن مكافحة الرشوة في الصين، لا يمكن تجاهل القانون الأساسي الذي يشكل حجر الزاوية: قانون مكافحة الرشوة غير المشروعة في الأعمال التجارية. هذا القانون، مع تعديلاته وتفسيراته القضائية المتلاحقة، يحدد بوضوح ما يعتبر رشوة – ليس فقط المال، بل أيضاً الهدايا، والترفيه، والرحلات، وحتى فرص العمل لأقارب المسؤولين. ما ألاحظه من تجربتي هو أن الكثير من الشركات الأجنبية تركز فقط على الامتثال للقوانين في بلدها الأم (مثل قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة الأمريكي FCPA أو قانون الرشوة البريطاني)، وتعتقد أن هذا يكفي. هذه مغالطة خطيرة. البيئة القانونية الصينية فريدة ومتطورة بسرعة. مثلاً، تذكرون قضية شركة أدوية عالمية كبرى قبل بضع سنوات؟ لقد واجهت عقوبات شديدة ليس فقط لأنها انتهكت القانون الصيني، بل لأنها فشلت في فهم كيف يفسر المنظمون مفهوم "الميزة غير المبررة" في سياق الممارسات التسويقية الطبية. الدرس هنا هو أن السياسة الفعالة يجب أن تكون "مزدوجة الامتثال"، مصممة خصيصاً لسد الثغرات بين النظامين.

علاوة على ذلك، لا يقتصر الأمر على القانون الوطني. تختلف التطبيقات المحلية أحياناً. في إحدى المدن الساحلية الكبرى حيث كنت أتابع ملفاً لعميل في قطاع التصنيع، طلب منا الشريك المحلي تقديم "هدايا ترويجية" بقيمة أعلى من المسموح به في العقد لمسؤولين محليين لتسريع إجراءات ترخيص بيئي. كان رد فعل مدير العمليات الأجنبي الرفض الفوري بناءً على سياسة الشركة العالمية. لكن بدلاً من مجرد قول "لا"، عملنا معه على تطوير بديل مقبول: تنظيم ورشة عمل فنية لموظفي الدائرة المعنية حول أفضل الممارسات البيئية العالمية، مع تقديم مواد تعليمية ووجبة غداء بسيطة. هذا الحل حافظ على النزاهة وحقق الهدف التجاري. الفهم الدقيق للإطار القانوني لا يعني التعامل معه كنص جامد، بل كخريطة طريق للإبداع في الحلول الأخلاقية.

ثقافة الهدايا والعلاقات

هنا ندخل إلى منطقة رمادية شائكة. مفهوم "قوانكسي" (العلاقات) عميق الجذور في الثقافة التجارية الصينية. كثيراً ما يسألني المدراء الجدد: "كيف نبني علاقة جيدة بدون تجاوز الخط الأحمر؟" الجواب ليس بسيطاً. الهدية في السياق الصيني يمكن أن تكون تعبيراً عن الاحترام والشكر، وليس دائماً محاولة للفساد. التحدي هو التمييز. في سياساتنا التي نطورها مع العملاء، ننصح بتصنيف واضح: هدايا ترويجية رمزية (قلادة تحمل شعار الشركة، تقويم)، ممنوع منعاً باتاً؛ دعوات لوجبات عمل معقولة، مسموح مع توثيق السبب والحضور والمبلغ؛ أي نقد أو هدايا شخصية باهظة الثمن، ممنوع تماماً. المفتاح هو الشفافية والتوثيق الداخلي.

أتذكر حالة لعميل أوروبي في قطاع السيارات. كان فريق المبيعات المحلي يشكو من صعوبة المنافسة لأن المنافسين يقدمون "حسومات خاصة" أو "خدمات مجانية" للوسطاء. بعد تحقيق داخلي قمنا بمساعدتهم فيه، اكتشفنا أن بعض هذه الممارسات كانت على حافة الهاوية. الحل لم يكن عقاب الموظفين فقط، بل تغيير نظام الحوافز. بدلاً من مكافأة المبيعات فقط، أضفنا معايير للامتثال والأخلاقيات. وقمنا بتنظيم تدريبات منتظمة تستخدم سيناريوهات واقعية ("ماذا لو عرض عليك شريك عشاء في نادٍ خاص بمناسبة عيد الربيع؟"). هذا ساعد في خلق ثقافة حيث يكون قول "هذا لا يتوافق مع سياستنا" أمراً مقبولاً ومفهوماً. بناء سياسة لمكافحة الرشوة في الصين يتطلب حساسية ثقافية، ولكن دون المساس بالمبادئ الأساسية للنزاهة.

إجراءات Due Diligence

واحدة من أكبر نقاط الضعف التي أراها هي فشل الشركات في فحص شركائها المحليين بدقة، سواء كانوا وكلاء، أو موزعين، أو موردين. مصطلح "العناية الواجبة" أو Due Diligence ليس مجرد خطوة بيروقراطية؛ إنه درع وقائي. كثير من الشركات تتعاقد مع وسيط محلي لأنه "يعرف الناس" و"يُسرّع الأمور"، دون أن تسأل: كيف بالضبط يفعل ذلك؟ سياسة Due Diligence الفعالة يجب أن تكون استباقية ومستمرة، وليست مجرد فحص في بداية التعاقد.

لدي تجربة شخصية مع عميل أمريكي في قطاع الطاقة. أرادوا التعاون مع مقاول محلي لمشروع في مقاطعة داخلية. بدا المقاول محترفاً ومرخصاً. لكن عندما قمنا بفحص أعمق – من خلال قواعد البيانات القضائية المحلية (وهو أمر قد لا يعرفه الأجنبي) وزيارات ميدانية غير معلنة – اكتشفنا أن المدير الفعلي للمقاول هو قريب لمسؤول محلي سابق، وكانت هناك شكاوى سابقة حول جودة عمله لكنها "حُلّت" خارج المحكمة. نصحنا العميل بإعادة النظر. في البداية، كانوا قلقين من تأخير الجدول الزمني، لكنهم وافقوا. وجدوا لاحقاً شريكاً آخر، وإن كان يبدو أقل "اتصالاً"، إلا أن عمله كان منظماً وخالياً من الشكوك. بعد سنة، تعرض المنافس الذي تعامل مع المقاول الأول لتحقيق لانتهاكات محتملة. الاستثمار في Due Diligence الشامل يوفر مالاً وسمعة على المدى الطويل، وهو عنصر غير قابل للتفاوض في أي سياسة جادة لمكافحة الرشوة.

التدريب والتوعية الداخلية

أكبر خطأ تعتقد الشركات أنها ترتكبه هو كتابة سياسة رائعة ووضعها في الدرج. السياسة لا تعمل إلا إذا فهمها وعاشها كل موظف، من المدير التنفيذي إلى مندوب المبيعات الميداني. التدريب يجب أن يكون بلغة واضحة، بأمثلة من السوق الصينية، وليس مترجماً حرفياً من المقررات العالمية. يجب أن يتناول السيناريوهات اليومية: كيفية رفض "هدية" دون إهانة الطرف الآخر، كيفية توثيق مصروفات العشاء، كيفية الإبلاغ عن مخاوف.

في جياشي، ننظم غالباً ورش عمل للعملاء نستخدم فيها أسلوب دراسة الحالة. مثلاً، نناقش حالة: "مدير مشروع في موقع بناء، يطلب منه المقاول المحلي دفع مبلغ نقدي 'كمساهمة في أمن الموقع' للسلطات المحلية، مع وعد بتسريص الإجراءات. ما الخيارات؟" النقاش يكشف الفروق الثقافية والإدارية. التدريب الفعال يحول السياسة من وثيقة إلى سلوك، ويجعل الموظفين شركاء في الامتثال، وليس مجرد متلقين للأوامر. كما يجب أن يكون هناك قناة إبلاغ آمنة ومحايدة، وأن يشعر الموظفون بأن الإبلاغ عن مخالفة محتملة سيحميهم، لا يعرضهم للخطر.

المراقبة والمراجعة المستمرة

البيئة التنظيمية في الصين ديناميكية. قرارات محكمة جديدة، توجهات حملات مكافحة الفساد، كلها تؤثر على التطبيق. سياسة مكتوبة قبل ثلاث سنوات قد تكون غير كافية اليوم. لذلك، المراجعة الدورية الداخلية والخارجية ضرورية. هذا لا يعني فقط مراجعة الحسابات المالية، بل مراجعة العمليات: كيف يتم اختيار الموردين؟ كيف تتم المصادقة على مصروفات الترفيه؟ هل توجد أنماط غير عادية في المدفوعات في منطقة معينة أو لفريق معين؟

عملت مع عميل ياباني في قطاع الإلكترونيات كان أداؤه الامتثالي جيداً على الورق. لكن خلال مراجعة روتينية، لاحظنا أن مصروفات "الترويج التقني" في فرع واحد زادت بنسبة 300% في ربع واحد، دون زيادة مقابلة في المبيعات. عند التحقيق، تبين أن الفريق المحلي كان يستخدم هذا البند لتغطية مدفوعات غير واضحة لموظفين في شركات عملاء. كان السبب جزئياً ضغط غير واقعي من الإدارة على تحقيق أهداف مبيعات. الحل تضمن تعديل أهداف المبيعات، وتدريب إضافي، وتعزيز رقابة المالية على تفاصيل فواتير "الخدمات التقنية". المراقبة المستمرة هي نظام الإنذار المبكر الذي يمنع الأخطاء الصغيرة من أن تتحول إلى كوارث كبيرة.

التحديات العملية والحلول

في الواقع العملي، نواجه تحديات مثل "السرعة مقابل الامتثال". المسؤول المحلي قد يلمح بأن الإجراء سيسرع إذا قدمت الشركة "دعماً" لمشروع مجتمعي تديره مؤسسة معينة. هنا، يجب أن يكون لدى الموظف خطوات واضحة: أولاً، التحقق من شرعية المؤسسة وعلاقتها بالمسؤول (Due Diligence). ثانياً، تقييم إذا كان الدعم يتوافق مع سياسة المسؤولية المجتمعية للشركة. ثالثاً، ضمان أن التبرع شفاف، مباشر للمؤسسة، وموثق علناً. إذا كان الطلب غير واضح أو مشبوهاً، يجب أن تكون هناك ثقافة تسمح للموظف بالرفض المهذب واللجوء إلى المستشار القانوني أو الامتثالي دون خوف.

وضع سياسات مكافحة الرشوة التجارية للشركات الأجنبية في الصين

تحدي آخر هو التوازن بين المركزية واللامركزية. السياسة العالمية تحتاج إلى تكييف محلي. أفضل الممارسات هي أن يكون هناك هيكل مركزي يضع المعايير الدنيا (الخط الأحمر)، مع منح الفروع المحلية صلاحية تطبيق إرشادات مرنة تناسب السوق المحلي، ولكن مع إلزامية الإفصاح والمراجعة المركزية. هذا يمنح الفروع شعوراً بالملكية ولا يجعلهم يشعرون بأن القرارات تُفرض عليهم من الخارج دون فهم للواقع المحلي.

الخلاصة والتطلع للمستقبل

وضع سياسة فعالة لمكافحة الرشوة التجارية في الصين هو رحلة مستمرة، وليست وجهة. تتلخص الرؤية في عدة نقاط: الفهم العميق والمزدوج للقوانين المحلية والدولية، والبناء على أساس من الشفافية والتوثيق، والاستثمار في التدريب والثقافة المؤسسية، والتكيف مع البيئة الديناميكية من خلال المراجعة المستمرة. الغرض النهائي ليس فقط تجنب العقوبات – رغم أهميتها البالغة – بل بناء سمعة طويلة الأمد وعلاقات عمل قائمة على الثقة والنزاهة، وهي الأصول الأكثر قيمة في السوق الصينية المعقدة والتنافسية.

بالنظر للمستقبل، أتوقع أن يصبح المنظمون الصينيون أكثر تشديداً، خاصة في مجالات البيانات والتكنولوجيا. قد تصبح أدوات تتبع المدفوعات الرقمية وفحص الشراكات باستخدام الذكاء الاصطناعي شائعة. كما أن التعاون عبر الحدود بين السلطات التنظيمية في مختلف البلدان سيزداد. نصيحتي للشركات الأجنبية هي: لا تنظر إلى سياسة مكافحة الرشوة كتكلفة إدارية، بل كاستثمار إستراتيجي في أمن واستقرار عملياتك في الصين. ابدأ الآن، وكن استباقياً، واطلب المشورة من محليين يفهمون كلاً من الحرف القانوني وروح الممارسة العملية.

رؤية شركة جياشي للضرائب والمحاسبة

في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، نرى أن "وضع سياسات مكافحة الرشوة التجارية" هو أكثر من مجرد استجابة تنظيمية؛ إنه حجر أساس لبناء أعمال مستدامة ونظيفة في الصين. من خلال خبرتنا التي تمتد لأكثر من عقد في خدمة الشركات الأجنبية، نؤمن بأن النجاح الحقيقي يأتي من الانسجام بين المبادئ العالمية والممارسات المحلية. لذلك، نقدم لعملائنا ليس فقط التحليل القانوني الجاف، بل حلولاً عملية متكاملة: بدءاً من تصميم سياسات مخصصة تأخذ في الاعتبار خصوصية قطاعهم وحجم عملياتهم، مروراً بتدريب فرقهم على الأرض بلغة يفهمونها وبأمثلة من واقع السوق الصينية، ووصولاً إلى إنشاء أنظمة مراقبة داخلية ذكية وقنوات إبلاغ آمنة. نعمل كجسر بين الثقافة المؤسسية للشركة الأم والبيئة التشغيلية في الصين، مساعدين إياها على تجنب المخاطر مع الاستمرار في النمو. نعتقد أن الشركة التي تتبنى النزاهة كقيمة أساسية ليست فقط أكثر أماناً من الناحية القانونية، بل هي أيضاً أكثر جاذبية للمواهب المحلية والشركاء المحليين على المدى الطويل. في جياشي، شعارنا هو: "الامتثال ليس عقبة، بل هو الطريق الأكثر أماناً ووضوحاً نحو النجاح في السوق الصينية."